الشيخ محمد رشيد رضا
95
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
جواب السؤال عن حكمة بعثة خاتم النبيين ، بالرسالة العامة للناس أجمعين ، بالدين العام للبدو والحضر - من العرب الذين غلبت عليهم جهالة البدو ، وبعد عهدهم بما سبق لامتهم من الحضارة والعلم ، ولم يبعث من بعض شعوب الحضارة القريبة كالفرس والروم والهند والصين ، ويليه السؤال عن مزية كنانة في العرب من آل إسماعيل ، الذين امتازوا على سائر العرب بأنهم ممن اصطفى اللّه من آل إبراهيم ، ثم عن مزية قريش في بني كنانة وفضل بني هاشم على سائر قريش ؟ خلاصة ما بينته في فضل العرب على سائر الأمم ، الذي أعدهم به اللّه لبعثة سيد البشر من العرب والعجم ، بالدين العام الباقي هي ان جميع شعوب الحضارة المشار إليها وغيرها كانت قد فسدت غرائزها وأخلاقها الفطرية ، وعقائدها الدينية ، وآدابها التقليدية ، بفساد رؤساء الدين والدنيا فيها ، وتعاون الفريقين على استعبادها واستذلالها لهما ، وتسخيرها لتوفير لذاتهما وتشيبد صروح عظمتهما ، بسلب حريتهم العقلية بالتقاليد الدينية التي يفرض عليهم الكهنة والأحبار والقسوس الخضوع لها ، بدون أن يكون لهم أدني رأي أو اختيار أو فهم فيها ، وسلب حرية ارادتهم في حياتهم الشخصية والاجتماعية ، بما يضع لهم الملوك والحكام من القوانين والنظم الإدارية والعسكرية الاستبدادية ، وبتحكمهم فيهم بدون قانون ولا نظام أيضا ، فجميع الأمم والشعوب كانت مرهقة مستعبدة في دينها ودنياها الا العرب ولا سيما عرب الحجاز واما العرب فلم يكن عندهم رياسة حكم استبدادية تستذلهم وتفسد بأسهم وتقهر ارادتهم على ما لا يريدون ، ولا رياسة دينية تقهرهم على اتباع تقاليد تعبدية لا يعقلونها ، بل كانوا على أتم الحرية العقلية واستقلال الإرادة في دينهم ودنياهم ، وفي أعلى ذروة من عزة النفس ، وشدة البأس ، فبحرية عقولهم كانوا على أتم الاستعداد لفهم دين العقل والفطرة ، وباستقلال ارادتهم كانوا على أكمل الاستعداد للنهوض بما اعتقدوا حقيته وصلاحه وخيريته ، ولاقامته في قومهم ، ونشره في غيرهم ، والدفاع عنه باختيارهم ، وتصرفهم في كل ذلك بمقتضى الوازع النفسي ، دون تحكم رئيس ديني ولا دنيوي ، فان هذا الدين انما أوجب طاعة الأئمة والقواد بالمعروف والاذعان للشرع ، وما تضمه الأمة لنفسها من النظام بالشورى بين ممثليها من أهل الحل